ما تزال رائعة باولو كويلهو " السيميائي" تسيطر على مخيلتي كلما شرعت في الكتابة وجلست أمام شاشة الكمبيوتر للبحث عن فكرة جديدة تصلح موضوعا لناهيا الغد.
الرواية تهتم في الاساس باكتشاف الفرد لقدراته ووعيه بذاته، باعتبارها السبيل التي يمكن من خلالها النفاذ إلىروح العالم الذي يضم فضاءات غير متناهية من البشر يمكن فقط للـ"سيميائي" أن يفك شفرتها، تماما مثلما تستحيل المعادن الرخيصة إلى ذهب على يد الكيميائي الحاذق.
غير أن النفاذ إلى روح العالم تطلب رحلة شاقة لراعي صغير رحلة بدأت من سهول أسبانيا نهاية بواحة الفيوم ليعود أدراجه ثانية حيث يكتشف أن كنزه " دفينا" تحت الصخرة التي أنطلق منها في رحلته الأولى .. سر لم يكن له أن يكتشفه دون أن يتكبد تلك الصعاب.
انتهيت من الرواية وتمنيت لو قرأتها منذ 10 سنوات .. ربما أخذت الحياة شكلا مختلفا قد يكون سيئا أو أفضل أو مماثل لما نحياه الآن .. لا يهم يكفي أن تتحرك وأنت متشبع بأسبقية الوعي حيث النفاذ إلى روح العالم.
في الاسابيع الأخيرة كانت أكثر المفارقات التي عشتها مرتبطة بأسبقية الوعي هذه، لكن في إطارها السلبي حيث اجادة كثير من الناس قراءة ردود أفعالي بل والغوص في مكنون شخصيتي للحكم عليها للدرجة التي بات من المألوف أن أسمع أحد الأصدقاء قائلا " أعرف جيدا ما تفكر فيه".
مستر فرويد القابع في الطرقات وفي المساجد والجلسات الخاصة يقدم قراءة تنم عن أسبقية بوعي الأخر وهو أمر يكشف عن تجليات في الشخصية تختفي تارة خلف عباءة العبقرية وتارة أخرى تحت عمامة التجرد والإيمان حيث فراسة المؤمن الذي تتكشف أمامه شخصيات وطبائع الناس ولم لا فهو "يرى بنور الله" !!.
باولو كويلهو في روايته لم يذكر اسم الراعي، ليترك العنان أمام القارئ أن يتقمص شخصية هذا الانسان الفقير الذي جاب العالم بحثا عن أسطورته الذاتية كي ينفذ إلى روح العالم ومن ثم يستحيل التراب على يديه إلى ذهب.
تلك هي الأيقونة الثالثة أن تنفذ إلى عالمك الشخصي ومنه إلى محيطك الاجتماعي ومن ثم العالم .. والطريف أننا بالفعل نتقمص تلك الأسطوره في معناها السلبي أيضا حيث ترتد الدوائر وتختلط المفاهيم وتغيب الأولوليات لتجد الكثير يحلمون بأستاذية العالم مع أنهم يفتقرون إلى سمات الطالب المجتهد.!
في واحة الفيوم قابل الراعي شخصية السيميائي ذلك الانسان الغامض القابع على أطراف الصحراء مستغرقا في تأملاته، لتبدأ بعدها مرحلة التحول الرئيسية في شخصية هذا الراعي في رحلة بحثه عن الكنز.
في اخر المقابلات الشخصية أرسلوا لي رسالة عبر الايميل كي أملأ بياناتها تمهيدا لتعيني في وظيفة مرموقة (على حد أحلامي) وكان السؤال المحير .. اذكر الشخصيات التي تمثل مرحلة تحول رئيسية في حياتك؟
كان أكثر الأسئلة صعوبة حقيقة رغم أن أحد الاسئلة الأخرى أكثر استغراقا في التفكير لكنه لا يمثل صعوبة كبيرة مثل: أختر مشروع بحث وأكتب عناصرة فقط؟ ما مصادرك لتنفيذ هذا البحث؟الخ.
عدت إلى باولو كويلهو ربما يسعفني في الخروج من هذا المأزق فربما قد أكون قابلت سيميائيا دون أن أشعر.
للاسف أكثر ما واجهته لا يتعدى دور "الساحر" يغير من شكل الأشياء، دون أن يغير في جوهرها مثلما الحال مع السيميائي..
ساحر أم سيميائي .. اختر موقعك أيها الفيلسوف المتذاكي.!!
كانت أولى دروس السيميائي أن اكتشاف الفرد لنفسه وتفانيه في تحقيق أحلامه يجعل العالم كله يتآمر معه من أجل تحقيق أسطورته الذاتية !!
غير أن النفاذ إلى روح العالم اصطدمت بمفارقته لحبيبته المصرية حيث كان مطالبا باستكمال رحلة البحث عن الكنز في ضروب الصحراء المشبعة بعصابات البدو وقطاع الطرق..
للمرة الأولى وقف الحلم والأسطورة وجها لوجه .. أن تنال الحب أو تحصل على الكنز وتكتشف روح العالم ليغدو سيميائيا ينفذ إلى روح المعادن والناس بل وكافة الموجودات على الأرض!
كان الراعي محكوما في تلك اللحظة بأسبقية الوعي حيث أن النفاذ إل روح العالم يساعد في التحكم بمصائر الأشياء والنفاذ إلى جوهرها الأصيل.. فيما قد يصاب الحب المتحرر من دائرةالوعي بحالة "صدأ" قد لا تسعفه الظروف وقتها في مقابلة السيميائي يبث الروح فيها.