شيئ من الخوف
بقلم: ناهد الديب
الحمد لله وكفى.. وسلام علي عباده الذين اصطفى.. لاسيما عبده المصطفى صلى الله عليه وسلم.. وبعد..
فإنّ من أشد الغفلة أنْ يعيش المسلم منّا هذه الأيَّام العصيبة من تاريخِ الأمَّة الإسلاميَّة, والمثقلة بالأحداث الجِسام التي يشيب لها الولدان, ويندى لها جبين الشُّرَفَاء, من مجازر ومذابح بل ومحرقة يحترق فيها إخواننا في غزة، أقول من أشد الغفلة أن يعيش المسلم تلك الأحداث بعينٍ مُغمضة وقلبٍ مُغلق، فما قيمة إسلام المرءِ إذا لم تتألَّم نفسه, وتتفاعل روحه مع الأحداث التي تحيط به من كلّ جانب, فإذا بلغ الأمر بالمسلم هذا المبلغ إذًا لأصبح الزمان حطامًا من الساعات والأيام, وركاما من الشهور والأعوام, وهنا يكون من الجهل أن نسمّي هذا "غفلة", إنما هو ضربٌ من الموت يصيب إيمان المرء, وينقله إلى لحدٍ مُظلمٍ وهو بعْد مقيم على ظهرِ الأرض يسعى ويتكلم.
هذا إذًا كان لمجرّد كونه يدين بدين الإسلام, فكيف إذا كان مع ذلك يحمل أمانة الكلمة, ومسئولية الدعوة إلى الله، وكيف إذا كان فارسًا من فرسان المنابر, وخطيبًا يجلس الناس بين يديه ليسمعوا منه ما يجود به عليهم من علمٍ وفِكر..
وخطابي لك اليوم أنت يا فارس المنبر، يا من اختارك الله لتكون داعيًا إليه وآخذًا بيدِ خلقه إلى طريق الهداية والرَّشاد, وحمَّلك أمانة الكلمة والتبليغ, فكُنتَ بذلك امتدادًا لنبيِّك محمد صلى الله عليه وسلم، ووالله إنها لأمانة عظيمة وإنَّك لمسئولٌ عنها بين يدي الله عز وجل, فإمّا أن تكون حجَّةً لك أو عليك، فإن قُمتَ بحقِّها كانت لك, وإن خنتَ الأمانة التي وُكِّلَت إليك, كانت حجَّة عليك, وخِزْيًا ونَدَامة يوم القيامة, فقد قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا " (سورة النساء: 58), وقال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية إنها أمانة النصيحة للرعيّة والأمَّة.
فقل لي بربِّكَ ماذا تقول له حين يسألك يوم القيامة: "هل أدَّيْتَ الأمانة على وجهها ؟، هل نصحت للأمّة وللرعيّة أم كنت تنأى بعقولِ النَّاس اللّذين تُساهم أنت وأمثالك من الخطباء والدعاة في تشكيل فكرهم ووعيهم وثقافتهم، تنأى بهم عن حقائق الأمور وعن أحداث الواقع الذين يعيشون فيه ؟.
وكيف إذا كنت ترى ما يدور حولك, وما يحدث للمسلمين الآن في غزة من حصارٍ وقتلٍ للأطفال, والنّساء, والشيوخ, وهدمٍ للبيوت على ساكنيها, وتشريد أهلها في العراء، ومنع أبسط الاحتياجات المعيشية عنهم..
كيف إذا كنت ترى ذلك كلّه, وما زلت بعدُ تتحدّث في توافِه الأمور وسفاسفها.. ألا تخجل ؟!.. ألا تخشى أن تُسأل عن دمِ أخيك في فلسطين وأن تُحاججك هذه الأرواح الزاهقة بعير حقٍ أمام الله عزّ وجل يوم القيامة ؟, وتسألك لماذا تخاذلت عن نصرتنا ولو بالكلمة ولو بتوعية المسلمين عما يفعل بنا وبمقدساتنا, فماذا تقول ؟!
|
ما كان أحوجنا لصوتك حاديًا |
تطوي الطريق وخلفك الركبان |
|
ما كان أحوجنا لعلمك موقظا |
والجرح فيك يسيل والعبثان |
أسألك بربّك, إذا لم تهزّك معاناة أهل غزة وفلسطين في ظل الاحتلال والحصار فمتى تتحرَّك ؟!، وإذا لم يمتعر وجهك لاستباحة الحرمات, ونسف المقدّسات, وقصف المساجد, وحرق المصاحف, وإبادة المصلين فمتى تغضب ؟!
لعمرك أنّ المنبر الذي حن جذعه لنبيّك يومًا لسوف يتبرّأ منك, ويتأفّف من حديثك إذا لم تقم بحق الله.. ممن تخشى ؟! أتخشى السلطات أن تمنعك وتبعدك ؟، أو تحاكمك وتسجنك ؟، ألا فاعلم أنَّ الأذى في الحقِّ خيرٌ من السلامة في الباطل..
|
أتحتار من القول زبدا وفذي |
وتترك الدر والجواهر |
|
لترضي بقولك تاجر بعني |
ذل في سوقه الحرائر |
|
وتحطب في الناس بسفاسف |
بنوي لها جبين المنابر |
وأختم رسالتي بقول المنفلوطي, والذي ينعي فيه أمثال هؤلاء الدعاة والخطباء, اللذين لا يقومون بحقّ دعوتهم, فيقول: "لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجمدت الأذهان، وتبلدت المدارك، وأصبحت العقول في سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس، ولا ينفذ إليه الهواء".
ثم يقول: "ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشدّ بلاءها، فقد أصبح دعاتها في حاجة إلى دعاة, ينيرون لهم طريق الدعوة، ويعلّمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها"، فليت شعري متي تتعلمون ؟!
|