اغسطس
2010
         تعلم الرسم خطوة خطوة مع .. الفنان طه غميض        عرب أولاد أبو عبيد : نتبع ثلاث وحدات محلية ولا حل لمشكلاتنا        يوريكا .. يوريكا        من أنا ؟        الخشوع فى الصلاة        أسرة ناهيا الغد تتقدم بأخلص التهاني بمناسبة حلول شهر رمضان الكريم أعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات .. وكل عام وانتم بخير        ناهيا بلا غد        الإضراب هو الحل        كيف نجعل أطفالنا يحافظون على الصلاة؟        توجيه المواهب لخدمة المجتمع والإسلام ؟  
 
 
( لا تصاحب مصريا ( 2-8))
2010-02-20

 لا تصاحب مصريا

( 2-8)

د. حنفي البوهي

تساءلت في المقال السابق عن دور الدولة في توجيه أبنائها المغتربين وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يكون عليه سلوكهم ، وشرعت في سرد ما حدث معي في رحلتي من مصر إلى سلطنة عمان، ذاكرا ما حدَّثني به أصدقائي ومعارفي قبل السفر، وما وجدته بالفعل على أرض الواقع هنا في سلطنة عمان. وانتهيت من سرد الموقف الأول أو المشهد الأول في رحلة البحث عن سلوكيات المصريين خارج بلادهم، وفي هذا المقال أستكمل ما بدأته.

الموقف الثاني

استوقفني حارس الأمن وسألني عن وجهتي، فأخبرته بأنني محاضر جديد ، وأريد مكتب العميد، فابتسم ضاحكا وقال: أنت مصري، أليس كذلك؟ قلت : بلى، وفي أثناء الحوار رفع يده بالتحية فالتفت ورائي فوجدت شخصا يمر مر الرياح، لا تكاد قدمه تلمس الأرض، نحيف جدا، متوسط الطول، يلبس بنطلون جنس أزرق، وقميص تبدو خطوطه ضخمة كأنه يريد أن يقول : إذا كان جسمي نحيلا فخطوط ملابسي هي الأضخم، وبدون أن أسأل تبرع الحارس بالإجابة عن سؤال كان يدور في ذهنى، من هذا؟ هذا هو الدكتور (ع) مدرس النفط والغاز بقسم الهندسة وهو مصري مثلك، فابتسمت له وهو يشير لي إلى المبنى الذي تضم حجراته مكتب العميد.

وجدتني أسرع الخطى لألحق بهذا المصري النحيف، لكن هيهات، حتى وصلت أمام مكتب العميد، فوجدت مجموعة من الزملاء يقفون أمام المكتب في البهو الخارجي، فسلمت عليهم ومن سحنتهم عرفت بأن اثنين منهم من السودان الشقيق، وثالث عرفت فيما بعد أنه فلبيني ورابع هو المصري النحيف. وتحقق ظني عندما سمعت منهم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بلكنة سودانية لا تخطئها الأذن0

مصريٌ أنت، قالها أحد السودانيين، قلت نعم، وأنتما من السودان الشقيق، عندها تلفت حولي كي أشرك الآخرين في الحوار – أقصد هذا المصري النحيل- لكنني لم أجده كأنما الأرض قد استقلت به فابتلعته. وبينما أنا غارق فيما حدث إذ بصوتٍ هادئٍ حنون يُلقي علينا السلام بلهجة عربية فصيحة، متبعا إياها بقوله: أنت الدكتور فلان! قلت نعم، قال تفضل، أنا الدكتور فلان مساعد العميد للشئون الأكاديمية، وعرفني بنفسه ، فهو عراقي حاصل على الدكتوراه في الهندسة من إحدى الدول الاشتراكية القديمة أيام صدام حسين، ويقوم بأعمال رئيس القسم الذي أنتمي إليه حتى إشعار آخر.

 

بعد عدد من الإجراءات أخبروني بأنّ أقدمَ مصري هنا هو الأستاذ مختار القماش، فذهبت إليه فوجدته رجلا خلوقا هادئا يحمل فوق كاهله أكثر من نصف قرن من السنوات قضى أغلبها في سلطنة عمان، وربما كانت هذه السنوات هي التي علمته الهدوء العماني الذي يشبه الثلج في الثقافة المصرية، فأنت هنا عزيزي القارئ لا تسمع صوتا عاليا، ولا تجد اثنين يتعاركان،  ولا تسمع صريخا ولا ضجيجا، تصور أنك تسير بسيارتك في أمان الله ملتزما بكل قواعد المرور، ومررت بأحد المحلات لشتري بعض الأغراض ووضعت السيارة في المكان المخصص للانتظار، ثم دخلت المحل واشتريت أغراضك وعند عودتك وجدت سيارة أخرى قد صدمتك من الأمام أو الخلف أو أحد الجانبين؟ لو رأيت ذلك ماذا تقول لمن فعل بك هذا؟ هنا لا شيء ، يسلم الطرفان على بعضهما البعض ويتصل أحدهما بالشرطة، تأتي الأخيرة لترسم الحادث وتقرر أيهما المخطئ ، لا لكمات في الوجه، ولا شتائم بالأب والأم والدين، بكل هدوء تسير الأمور. بل أغرب من هذا  لك أن تتخيل أن القانون يُجَرِّم من يتحدث مع الآخر بصوت مرتفع أي والله، فمن حقك أن تذهب إلى الشرطة وتشكوه هناك، وتجد القضاء ينصفك ويحكم في مثل هذه الأمور بغرامة مالية.

بسرعة فتح الأستاذ مختار القماش قلبه لي، وأرشدني إلى بعض الأمور المرتبطة بالسكن والنقل وغير ذلك ، كما أخبرني بوجود اثنين من المصريين بقسم الهندسة بالكلية، وهما: دكتور (ع) الذي مر علينا مرور الكرام فيما سبق، والباش مهندس ( ع) أيضا؛ فكل واحد منهما يبدأ اسمه بحرف( ع). 

 

تساءلت بيني وبين نفسي لماذا تركني هذا الدكتور المهندس ولما يرى منّي شيئا؟! تركني بلا أي كلمة تقلل من مرارة الغربة ، أو تشجعني أو ترشدني، لم أكن أحتاج منه إلا كلمة، كلمة تريحني لكنني ما وجدتها ولست أدري لماذا؟

أحسنت الظن بهذا المصري النحيف، وكعادتي في فتح صفحات مع الآخرين ذهبت إليه في مكتبه، فقابلني مقابلة عادية جدا، لم أعبأ ببروده، وسخافة مقابلته، وتفاهة أفكاره عن سلطنة عمان بل عن مصر نفسها، إذ إنه من ذلك الصنف من البشر الذين يظنون أنهم فوق الجميع.

حاولت معه كثيرا وكان كل همي في ذلك أن تكون هناك رابطة من المصريين تضم نخبة كبيرة ومتنوعة ،  تبدأ من الكلية التي أعمل بها. فكنا بعد صلاة الجمعة نقف أو نجلس قليلا أمام مسجد

السلطان قابوس في ولاية نزوى التي نعمل بها، لم يكن يقف معنا هذا المصري النحيل.(وقد جاءتني هذه الفكرة من تجمع السودانيين أمام المسجد وغيرهم فدعوتهم لنجلس قليلا نتحدث في أي شيء، ولعلكم تلاحظون في الصورة من بعيد يظهر الأخوة السودانيون يقفون معا)

 ومن منطلق التآلف قمت بدعوة المصريين لتناول طعام الغداء معي ، واخترنا يوم الجمعة ليكون مناسبا للجميع، وكان أول المدعوين هو هذا المصري النحيل.  بعدها حاولت كثيرا التقرب منه ولكن هيهات هيهات فهو يظن انه بعد الله مباشرة وبقية الخلق لا شيء ، ويظن أن الوحيد الذي يفهم هو من يكون حاصل على الدكتوراه في هندسة البترول والتعدين ويكون أول حرف من اسمه(ع) وآخر حرف  ( م). وفي نهاية العام الدراسي الماضي تمَّ الاستغناء عنه مع حاجة الكلية إليه وذلك لصلفه وغروره ففقد ما يعادل ربع مليون جنيه كان يأخذها كل عام، وترك لنا تركة ثقيلة يتناقلها الناس هنا عن المصريين نحاول ومعنا كوكبة من المصريين أن نمحوها من الأذهان حتى تعود لمصر مكانتها في قلوب وعقول العرب كما كانت في أيامٍ خوالٍ. وإحقاقا للحق لم يكن هذا المصري النحيف ساعيا للشر، أو يعمل بليلٍ ليضر الآخرين، ولم يكن يتحدث عن أحدٍ لا بالخير ولا بالشر، فهو باختصار لا ينفع ولا يضر على المستوى الشخصي.

تُرى هل كان المهندس ( ع) مثل الدكتور (ع)؟ هذا ما سنتناوله بالتفصيل في المقال القادم إن شاء الله

 
 
 
السنة الخامسة
   
 
 
::
قريتنا
 
  • تاريخنا
  • مشاهيرنا
  • عاداتنا
  •  
     
     
     
    اتصل بنا قالوا عن ناهيا الغد فريق العمل من نحن
    جميع الحقوق محفوظة لموقع ناهيا الغد ©
    الموقع لا يمثل أي جماعة أو جمعية معينة والأراء المعروضة فيه تعبر عن وجهة نظر صاحبها
    EgySol تصمميم وبرمجة شركة